Sunday, April 26, 2020

عن الأنسة كورونا والعالم الجديد السعيد:


عن الأنسة كورونا والعالم الجديد السعيد:

في العام 2020 م جاء "الموت القادم من الشرق" المنقول على جناحي خفاش كما تزعم الحكاية، والمسمى أنسة كورونا وانتشر من أقصى مدينة ووهان يسعى، اتخذت الدول وأشباه الدول في البطيخة الأرضية عدة إجراءات للحفاظ على صحة الناس، المصابين أصلا بعدة أمراض مزمنة أشد وطأة على صحة وحياة الإنسان، كمرض الجوع والفقر والرأسمالية والموت بالإرهاب الشرير الذي ترعاه الجماعات والأفراد، والموت بالإرهاب الوسطي الجميل الذي ترعاه الدول العظمى وتسميه حروبا لغايات نشر السيدة ديمقراطية، اكتشف العالم (فجأة) أنه لا ينفق من الجمل سوى شحمة أذنه على البحث العلمي والرعاية الصحية لمحاربة فايروس ما، فيما هو ينفق المليارات لتصنيع فايروس ما يستخدم لقتل الملايين، مليارات تنفقها دول لاستكشاف الحياة على كواكب لا تصلح للحياة فيما يعيش ويموت الملايين من مواطنيها في الشوارع تحت اسم مشردين، كثيرة هي أوجه الإنفاق والنفاق في هذا العالم، لا يمكن عدها أو حصرها، الحكومات تُنفِق والشعوب تَنفُق وتموت، والنفاق هو العملة المتداولة بين طرفي معادلة الإنفاق والنفوق!

عن الأزمات في زمن أزمة كورونا:

إلى الشمال من موقعك على هامش الجغرافيا والتاريخ، تقع في وسط أوروبا دولة تسمى المجر أو هنغاريا، في العام 2010 وصل "فيدس" الحزب اليميني القومي للسلطة، والأن يملك فيدس ما نسبته 70% من مقاعد البرلمان المجري بقيادة زعيمه فكتور أوربان، شدد الحزب قبضته على البلاد في عام 2016 مستغلا أزمة اللاجئين، وتعرض لعدة انتقادات من الاتحاد الأوروبي خوفا على الديمقراطية المفقودة وحرية الصحافة، ثم جاءت الفرصة الذهبية على شكل فايروس كورونا، في 30 أذار من العام الحالي أعلن البرلمان المجري قانون الطوارئ، يعطي القانون للحكومة سلطة واسعة النطاق ضد أي شخص أو جهة  يتم اتهامها بعرقلة جهود الدولة لمكافحة الوباء، يمكن أن تسجن بتهمة تقديم معلومات غير صحيحة لخمس سنوات، يحدث هذا في دولة ديمقراطية وعضو في الاتحاد الأوروبي، والنموذج المجري اليوم في ظل أزمة كورونا مرشح للانتشار بين الدول وأشباه الدول ودويلات العالم الثالث خاصة، والتي كانت تقبض على معارضيها وتسجنهم وتشدد قبضتها الأمنية على الجميع بسبب تغريدة أو كلمة ما قبل كورونا، الأمر الذي سيجعل الوضع فيها كارثيا بعد إعلان قوانين الطوارئ، حالة الطوارئ أصبحت الوصفة السحرية لمقاومة الفايروس، في قرغيزستان والأردن ومصر ولبنان وفلسطين والسعودية والكويت وفرنسا وصربيا وتركيا والمغرب وبعض الولايات الأمريكية، العالم كله أصبح نسخة لفلم "V for Vendetta" الدستوبي والذي تستغل فيه حكومة المملكة المتحدة انتشار وباء لتشديد سلطتها على الشعب، الخيال العلمي بدأ يتحول إلى واقع، بعض مشاهد أفلام الزومبي والأوبئة التي كنت تشاهدها على شاشتك صرت تشاهدها من نافذة العزل المنزلي، وصار الواقع أغرب من الخيال!

الأخ الأكبر يراقبك:

- أوبراين: كيف يفرض الانسان سلطته على الأخر؟
- وينستون: بأن يجعله يعاني!
جورج أورويل/ 1984

في العالم الجديد السعيد أصبح للكلمات والمصطلحات الجديدة معنى قديم، من مثل تباعد اجتماعي، عزل ذاتي، حجر صحي، منع تجول، تكميم الأفواه، إجراءات طوارئ، الإقفال التام، مناعة القطيع، خمر معتقة في جرار جديدة، بدلا من غرف الكشف عن المتفجرات والأسلحة على أبواب المطارات والمولات خوفا من السيد إرهاب أتت غرف التعقيم خوفا من الأنسة كورونا، مناعة القطيع لا تختلف كثيرا عن حكم القطيع، التباعد الاجتماعي يشبه قوانين منع التجمعات في ظل حكم العسكر والأحكام العرفية، استخدام الكمامات الطبية صار المعنى اللطيف لعبارة تكميم الأفواه، والمضحك هو أن الشعوب ذاتها هي من كان يطالب ويصفق للإجراءات الجديدة، لم يتغير الوضع ولا ينتظر أن يتغير، وهنا يقول دنقل بتصرف: "لا تحلموا بعالم سعيد
فخلف كلّ فايروس يموت: فايروس جديد"!

نبوءة:

في سؤال لمجلة فورين بوليسي لمجموعة من المفكرين العالميين عن الكيفية التي سيبدو بها العالم بعد جائحة الفيروس التاجي، أجاب البروفيسور ستيفن م. والت أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد:

"هذا الوباء سيقوي الدولة ويعزز القومية. ستتبنى الحكومات بجميع أنواعها إجراءات طارئة لإدارة الأزمة، وسيكره الكثيرون التخلي عن هذه السلطات الجديدة عند انتهاء الأزمة.
ما لن يتغير هو الطبيعة المتضاربة بشكل أساسي للسياسة العالمية، لم تنهِ الأوبئة السابقة التنافس بين القوى العظمى ولم تستهل حقبة جديدة من التعاون العالمي. إن الأوبئة السابقة - بما في ذلك وباء الإنفلونزا في 1918-1919 - لم تنهِ تنافس القوى العظمى ولم يبشر بعصر جديد من التعاون العالمي. ولا COVID-19. سوف نشهد تراجعاً إضافياً عن العولمة المفرطة، حيث يتطلع المواطنون إلى الحكومات الوطنية لحمايتهم ، بينما تسعى الدول والشركات للحد من نقاط الضعف في المستقبل.
باختصار ، سيخلق COVID-19 عالمًا أقل انفتاحًا وأقل ازدهارًا وأقل حرية، لم يكن الأمر بهذه الطريقة، لكن الجمع بين فيروس قاتل وتخطيط غير ملائم وقيادة غير كفؤة وضع البشرية على مسار جديد ومثير للقلق".


Wednesday, March 11, 2020

مثقف السلطة






في زمن الدكتاتوريات الجميل كان غوبلز وزير دعاية الحزب النازي (لفاشية أكثر بياضاً) يقول: "عندما تقال كلمة مثقف، أتحسس مسدسي"، مقولة السيد غوبلز هذه يفترض أن تلخص العلاقة ما بين المثقف والسلطة، خاصة عندما تنتهج السلطة نهج قمع المعارضين لها واعتقالهم وتعذيبهم وقتلهم، ولكن "المثقفين هم أقدر الناس على ارتكاب الخيانة لأنهم أقدرهم على تبريرها" بحسب زميلي في الدراسة الرفيق لينين، والمثقف العربي هذه الأيام مثال عملي على ارتكاب وتبرير الخيانة كونه يعاني من متلازمة (أبو دلامة مهرج البلاط)!
لذلك لا تستغرب عزيزي عندما يطل أدونيس بعد عقود من المعارضة الشكلية ليقفز في فراش السلطة ويتلوى ويتأوه كأنه "أليسا" بين الشراشف البيضاء الملطخة بدم السوريين في سرير الأسد ليغني "بدي دوب" ويعترض على الثورة السورية لكونها خرجت من المسجد، رغم أنه لم يعترض قبلا على خروج الثورة الإسلامية الإيرانية من المساجد والحسينيات بل صفق وأيد ورضي وتابع وكتب فيها قصيدة عصماء، صماء!
مثال أخر على المثقف في خدمة وتزويق وتسويق السلطة، صالح علماني الذي استحق أن يوصف بحق بأديب المترجمين العرب، رجل أفنى زهرة شبابه في ترجمة الأدب الإنساني لكتاب وأدباء كانوا دائما وأبدا ضد سلطة القمع وقمع السلطة، ولكنه لم ينجح في ترجمة تلك الكتابات والنصوص إلى واقع حياته، فتحول إلى نسخة رديئة من ترجمة غوغل حين قال: "لم يعرف التاريخ منتصرا أرحم من الجيش العربي السوري" بغض النظر عن أن ذلك الانتصار كان ترجمة لقتل ربع مليون سوري وتهجير الملايين، وبغض النظر عن أن تلك الرحمة المهداة إلى السوريين كانت تقذف على رؤوسهم على شكل براميل متفجرة!
هذا عزيزي ما يسمونه القطيعة ما بين الفكر والسلوك، وهو الحبل الواصل ما بين ترجمة الأدب، وقلة الأدب.
لكن الواقع والتاريخ ليس بهذا السواد، وليس كل مثقف مغرما بالجلوس على مائدة قيصر وقضم خس صحن "سَلطة وسُلطة سيزر"، فالتاريخ مليء بنماذج مشرقة، سعيد بن جبير بوصفه مثقف عصره قضى على يد الحجاج "مبير ثقيف"، مرورا بابن حنبل وابن تيمية وعلي شريعتي وقطب وفرانز فانون وغيرهم كثير، وفي رسالة إلى الكاتبة "عبلة الرويني" زوجة الجنوبي دنقل الذي قال: "لا.. في وجه من قالوا نعم"، يقول الكاتب والناقد الراحل سعدالله ونوس: "إننا نحن المثقفين سلطة ظلّ شاغلها الأساسي أن تصبح سلطة فعلية، أو أن تنال فتاتاً في السلطة الفعلية. إننا قفا النظام، ولسنا نقيضه أو بديله، ولهذا ليست لدينا طروحات جذرية، ولا آفاق مختلفة، والمراوغة تطبع عملنا وتشكل جوهر سلوكنا، يا للخيبة، ويا للحزن"!
هذه العبارات المؤلمة هي حجر الزاوية في أبراج العاج التي يقطنها المثقفون العرب، إما أن تكون مثقفا يقود الجماهير الخارجة من دور البغاء الثقافية العربية على حد تعبير الجميل أحمد مطر في قصيدته "منافسة"، وإما أن تأكل على مائدة السلطة، وفي الحالتين أنت كمثقف مجرد قفا أو مؤخرة للنظام، وتستحق أن تصفع بمقدمة إبن خلدون على مؤخرتك الثقافية بحسب تعبير الكاتب السعودي الوغد والجميل "إبراهيم الزنيدي"، لذلك لم ينجح المثقفون العرب يوما في قيادة رجل الشارع البسيط، وعلاقتهم به لا تزيد عن التبسم لصبي قهوة يرتادها المثقف والمخبر في القاهرة وبغداد وجبل عمان!
علما بأن سلطة المثقف الحقيقية هي شكل من أشكال النبوة بحسب الشهيد علي شريعتي ملخصها أن ينقل التناقضات الموجودة في المجتمع إلى أحاسيس وأفكار أفراد هذا المجتمع، وأن يتبنى قضاياهم وأن يعالجها بحسب النمط الثقافي السائد في مجتمعه، أو الروح الغالبة على مجموعة معارف المجتمع وخصائصه واحساساته المنطلقة من وجهة نظره في الحياة وقاعدته الفكرية وهي هنا الإسلام بحسب شريعتي، لا أن ينعزل عنهم ويتحول إلى قفا!
يتبع...

Wednesday, February 19, 2020

حمار بوريدان وخيار الدكتاتورية أو الاستعمار!



في أحد الأيام الخريفية الباردة، أحضر الفيلسوف جان بوريدان حمارا لا يختلف كثيرا عن الحمير التي تتصدر نشرات الأخبار والصحف في هذه الأيام، وقام مسيو "بوريدان" بحرمان المسيو "حمار" من الشراب والطعام، حتى أصيب الحمار بجوع وعطش شديدين، ثم وضع بوريدان الحمار أمام معضلة فلسفية وجودية.
ففي إنائين منفصلين وضع بوريدان تبناً وماء، وفي منتصف المسافة بينهما وضع الحمار حائرا كحيرة موظف عربي أمام راتبه ومصروفه في أخر الشهر!
بقي الحمارمترددا ما بين أن يسد جوعه أو عطشه، حتى انتهى به تردده بالموت جوعا وعطشا، دخل بوريدان التاريخ من أوسع أبوابه، فيما دخل الحمار القبر!
والتاريخ يقيء نفسه، وما زالت تجربة بوريدان والحمار تتكرر حتى يومنا هذا، النظام العربي بكل أدواته الإعلامية لا يزال يضع مواطنيه أمام خيارين: إما الدكتاتورية وإما الاستعمار، الحرية أو الأمن، الثورة أو الجوع، يقف العربي مترددا أمام تلك الثنائيات، "عشان ما نبئاش زي سوريا والعراق"!
يستمر التردد ويطول، حتى يأتي اليوم الذي يهلك فيه صاحبنا مصلوبا على خشبة الانتظار، تقتله الدكتاتورية، ثم يأتي الاستعمار، يقتله كلاهما!
يخاف من غياب الأمن، ويخاف من رجال الأمن، يخاف على ثروة البلاد من ثورة في البلاد، ويموت من الفقر والجوع والوضع الإقتصادي المتردي!
والحق الحق أقول لكم: ليست الثنائيات من قتل المسيو حمار، بل العجز والخوف، لم يقتله الجوع، ولم يهلك من العطش، بل مات بجرعة (تردد) زائدة!

https://twitter.com/khalid_hnandeh/status/795332129383124992

Saturday, February 15, 2020

عن الحقيقة النسبية:







عن الحقيقة النسبية:


الجزء الأول





"الحقيقة الخالصة بمثابة السم لبعض الناس"
أندريه موروا

في معمعة النقاش الدائر اليوم في مواقع التواصل حول أي قضية أو فكرة يتم تخنيث الحقائق والمفاهيم باستخدام طرح "نسبية الحقيقة"، فما تراه حقا قد لا يكون كذلك عند غيرك، وما تراه باطلا قد يكون هو الصواب عند غيرك بغض النظر عن كون رأيك أو رأي الأخر محقا من عدمه، الأمر الذي يحول أي نقاش إلى حوار طرشان، يجادل فيه الأطراف لغاية الجدل فقط، حوار عقيم لا يلد سوى الحوار لأجل الحوار، شيء يشبه برامج "التوك شو" التي يطرح بها كل الأطراف ارائهم وينتهي وقت البرنامج بدون الوصول إلى نتيجة!
ويزعم القائلون بنسبية الحقائق بأن هذا الطرح هو الباب للتعدد الفكري والتفكير خارج الصندوق وحرية الرأي والرأي الأخر، وأن نسبية المعرفة ستحرر الإنسان من دوغمائية الثوابت والمسلمات وكفن التقليد وتوكيدية الجمود، لكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن، وبدلا من أن تعلي النسبية إرادة الإنسان حولته إلى كائن هش لا يحسن اتخاذ القرار، حتى في أبسط الأشياء، يجلس في عصر يوم جمعة أمام شاشة ويتقلب ويقلب ألف محطة بدون أن يملك القدرة على الثبات على واحدة منها.


والنسبية اليوم (إضافة إلى البراغماتية والفردية) صارت في الفكر الليبرالي الغربي أساسا عاما للحكم على الأشياء، وهي تعني أن: الحقائق ليست مطلقة ولا نهائية، وتتعدد حتى في الشيء الواحد، فهي نسبية تختلف من فرد لأخر ومن جماعة لأخرى، ومن وقت لأخر، بلا أي معيار موضوعي، وهي تنقسم إلى نسبية معرفية، فلا حقيقة أكثر مصداقية من الأخرى مما يسقط فكرة وجود حقيقة مطلقة عند البشر، ونسبية أخلاقية يستوي فيها الحسن والقبيح، والصواب والخطأ، والخير والشر، ونسبية النصوص التي انتهت إلى أن تفسير وتأويل النص أمر نسبي متفاوت بين كهنة الحروف.

وفكرة نسبية الحقيقة ظهرت تاريخيا عند السفسطائيين، (مدرسة فلسفية ظهرت في القرن الخامس ق.م في اليونان، وقامت على أساس تمويه الحقائق واستخدام المغالطات المنطقية والتلاعب بالألفاظ في الجدال بغية إفحام الخصم وأعلت من شأن النزعة الفردانية عند الإنسان، وتلخص مقولة الفيلسوف السفسطائي بروتاغوراس: "الإنسان مقياس كل الأشياء ما يوجد وما لا يوجد" فكرة نسبية الحقيقة، فهو بذلك قد جعل المعرفة والحقيقة شخصية لا موضوعية، الفرد فيها هو الحكم على الأشياء بلا أي معيار ثابت، بعبارة أخرى، فإنا وحدي كإنسان من يملك الحرية في صياغة الحقيقة التي تناسبني عن الأشياء والقيم، بلا أساس أو مقياس يوحد تلك الصياغة بشكل ثابت مستقر، ويكون هو الحَكم في الحُكم على صحة النتيجة التي تم التوصل لها، اللهم باستثناء مقياس المصلحة النفعية المحضة، عندها يصبح الكذب مثالا قيمة أخلاقية تلقى القبول والاحترام ما دام يحقق لي مصلحة أنية، وتصبح الخيانة مجرد وجهة نظر ما دامت تجلب لي المنفعة!

"في زمن الخداع العالمي، يصبح قول الحقيقة عملا ثوريا"
جورج أورويل

وقد لبست نسبية الحقيقة في العصر الحديث ثوبها السفسطائي الجديد المرقع بخرق الحداثة على يد نيتشه لتصل إلى العدمية بكل مدارسها المختلفة حتى انتهت في عالم ما بعد الحداثة إلى النسبية المطلقة، استند نيتشه على نظرياته الفلسفية كموت الإله وإرادة القوة والإنسان السوبرمان عندما قرر أن الحقيقة ليست سوى "مجموعة من الاستعارات والتشبيهات والمجازات وأنها مجرد وهم"، ليصل بذلك إلى النسبية المعرفية والأخلاقية التي لا صواب فيها ولا خطأ، لا حسن ولا قبيح، باستثناء ما تقرره أنت ويحقق مصلحتك، وبذلك فإن الحكم على الفعل بأنه خيّر أو شرير يحدده الفرد لا الفعل ذاته، فالتصدق على الفقراء فعل حسن إذا تم خصم مساعدتك المالية من قيمة ضرائبك، وهو ضرب من العبث إن كان لتحقيق غاية روحية مثلا، مجرد وجهات نظر تختلف باختلاف الزاوية التي تنظر بها إلى جنازة السيدة أخلاق، وبسقوط المعيارية الموضوعية التي تحدد الحقيقة المعرفية والأخلاقية، تموت الحقيقة في صراع وجهات النظر ووجهات العمى، ووحده الأقوى والأعلى صوتا هو من يمتلك ناصيتها بقبضة يده!


"أهلا بك في صحراء الحقيقة"
مورفيوس- فلم ماتريكس

في فلم الخيال العلمي ماتركس يقوم مورفيوس بتخيير نيو ما بين الحبة الزرقاء التي تبقيه على جهله القديم، وما بين حبة حمراء تعطيه حالة كشف صوفي إن جاز التعبير ليكتشف أنه يعيش في داخل سيميوليشن أو محاكاة، الفلم متأثر بفلسفة جورج باركلي وهي شكل أخر من أشكال نسبية الحقيقة، قائمة على التشكيك بالوجود الخارجي حيث يقول باركلي بأن "ليس ثمة شيء موجود إلا إذا كان مدركا بالحواس، ومن ثم فإن العقل هو الحقيقة الواقعة، والمادة أسطورة أو خرافة"، ويمكن ملاحظة هذه الفكرة في العديد من المسلسلات والأفلام الأجنبية (فلم "ذا ترومان شو" وفلم "ترون" ومسلسل "ويست وورلد")، كان السيد باركلي قد توصل لفلسفته هذه للرد على الفلاسفة الماديين واللاأدريين، فتم استخدام أفكاره لنفي معظم حقائق العالم الخارجي من قبل خصومه، وهنا ندخل في معضلة فكرية بسيطة، إن كنا نعيش في محاكاة أو عالم افتراضي أو حتى في داخل لعبة فيديو جيم، وتمكنت من الاستيقاظ من هكذا وهم واكتشاف واقعك الحقيقي وتمييزه عن الافتراضي، فما الذي يمنع أن وجودك ووجود الفيديو جيم أو عالمك الوهمي الذي استيقظت منه للتو ووجود مبرمج الفيديو جيم ذاته هو الأخر جزء من لعبة فيديو جيم أخرى صممها مبرمج أخر أكثر تطورا من مبرمج عالمك، وما الذي يمنع أن يتكرر هذا السيناريو اللا متناهي ملايين المرات، وأن استيقاظك المتكرر هو الأخر مجرد وهم! شيء يشبه جلوسك في صالون ناجح للحلاقة وأمامك مرآة وورائك مرآة وأنت تنظر في الانعكاسات المتكررة لصورتك الذاتية ضائعا بين تلك الانعكاسات، نظرية لا أدرية غبية وتشكيكية لا تنتج أي نوع من أنواع اليقين والاستقرار المعرفي، تقيس الشاهد على الغائب، والواقع على الممكن الذي لا يدعمه أي دليل عقلي أو علمي، وتقوم على الافتراض أو الحجة "المتناقضة ذاتيا" وهو الافتراض الذي إن صدق كذب، فإن قلت أن هذا الواقع المادي الذي تعيش فيه افتراضي أو أنه مجرد برنامج حاسوبي أو لعبة بلاي ستيشن أو أن دماغك يعيش داخل وعاء مختبر ولا يدرك وجوده داخل وعاء فمن يضمن أن تفكيرك في الوجود الخارجي ليس هو الأخر مجرد برمجة وأن إدراكك لحقيقة عالم الماتركس هو الأخر جزء من هذا الوهم، فيصبح إداركك لكُنه العالم وعدم إدراكك سيّان!

ويمكن الاستزادة حول هذا الموضوع بمراجعة كتاب "العقل والصدق والتاريخ" للفيلسوف الرياضي وعالم الرياضيات هيلاري بنتام.

حقيقة الحقيقة:

ما بين بطة الحقيقة وعنزة النسبية:

يقول المثل الانجليزي: "اذا كانت تبدو كالبطة، وتمشي كالبطة، وتصيح كالبطة، فهي على الأغلب.. بطة"، وهو يلخص ما يعرف باختبار البط، وفحواه أنه يمكن تحديد ومعرفة حقيقة شيء غير معروف من خلال ملاحظة ودراسة خصائص هذا الشيء ومن ثم مطابقة النتيجة المتوصل لها بالواقع، فالحقيقة هي انطباق الفكرة على واقعها، فالفكرة وكل أفكار العالم لا تشكل حقيقة بحد ذاتها إلا عند انطباقها على الواقع، فالفكر هو الحكم على الواقع، فإن طابق هذا الحكم الواقع كان حقيقة، وإن خالف هذا الحكم الواقع كان وهما أو حكما مغلوطا، فمثلا الشكل الهندسي الذي له أربع أضلاع متوازية ومتساوية وأربع زوايا قائمة يسمى مربعا عند كل البشر، فإن وجدت شكلا هندسيا له نفس الأوصاف السابقة يمكنك أن تحكم عليه بأنه مربع وأنت مطمئن، وأما تسميته بالمثلث فرغم أنه قد يكون فكرة عند البعض، إلا أنها مجرد فكرة لا حقيقة لعدم انطباق الفكرة على واقعها، وبالعودة للسيدة بطة، فلو كنت في مزرعة ووجدت مخلوقا له شكل وريش وأجنحة البطة التي تعرفها، وتتمشى بين الحشائش وتتهادى بدلال كمشية بطة، وتصيح كواك كواك كبطة، وتسبح في الترعة كبطة وتطير كبطة، فهي بطة عند العقلاء من البشر لانطباق الفكرة على واقع البط، اللهم باستثناء بعض الليبراليين العرب القائلين بنسبية الحقيقة والذين لو طارت البطة أمامهم فسيرونها "عنزة ولو طارت" وسبحت وصرخت أمامهم كبطة وقدمت لهم هوية شخصية ومضبطة مختار وشهادة عدم محكومية وحسن سيرة وسلوك ومعرفين إثنين عدول يشهدون أنها بطة ولن يصدقوها ولوحلفت لهم بالطلاق ثلاثا أنها بطة!

هل النسبية نسبية أم مُطلقة:

ومن يقول بنسبية الحقيقة لا ينتبه أساسا أن دعواه هذه هي حجة تنقض نفسها بنفسها وتحمل في داخلها بذور تدميرها، فإن كانت نسبية الحقيقة قاعدة فكرية مطلقة وصحيحة دائما، فهي بذلك قد تحولت إلى مفهوم أو حقيقة مطلقة لا نسبية فيها، تتناقض أساسا مع النتيجة التي أراد القائلون بالنسبية من الوصول لها من حرية التعدد الفكري وفتح مجالات وفضاءات الإبداع، أو كما يقول د. عبد الوهاب المسيري: "يصبح النسبي هو المُطلق الوحيد، ويُصبح التغير هو نقطة الثبات الوحيدة"!
أما إن كانت نسبية الحقيقة مجرد مفهوم ظني أو نسبي فتكون هي بذاتها نسبية في مقابل قول القائلين بعدم نسبية الحقيقة، ويستلزم ذلك صحتها وبطلانها في آن واحد وهذا تناقض، وتكون قد نقضت غزلها بنفسها!
وهناك انتقادات أخرى توجه لفكرة نسبية الحقيقة، فمثلا بعض مدارس النسبية تقول بعدم وجود معيار موضوعي لتمييز الحق عن الباطل أو الحقائق عن غيرها، وعندها تصبح النسبية ذاتها بلا معيار يصدقها أو يكذبها وندخل في اللاآدرية المعرفية، وإن كان معنى النسبية هو أن الحكم على الأشياء والأفكار بالصواب والصدق والخطأ والكذب يختلف بحسب الزمان والمكان والظرف والمجتمع، فعندها تكون النسبية صحيحة في زمن وخاطئة في أخر، متلونة بحسب الظرف والمكان والمجتمع، ولو فرضنا أن النسبية صحيحة وصائبة دائما، فإنها تكون خاطئة دائما بناءا على مذهب النسبيين القائل بأن المعارف المتعاكسة والمتناقضة صحيحة دائما، وبذلك تسقط القواعد المعرفية الكلية ومنها النسبية ويصدق نقيضها عليها، وندخل في حالة ميوعة فكرية ومعرفية تجرف معها كل أنواع الحقائق النسبية والمطلقة وتسبب بموت دماغي للإدراك والوعي والتفكير!



حقيقة الحقيقة:

قلنا أن الحقيقة كمفهوم هي مطابقة الفكر للواقع بغض النظر أكان الفكر عقليا أو منطقيا أو 
علميا، ولأقرب المسألة تأمل المعطيات التالية:
عملية التفكير ذاتها هي نقل الواقع إلى الدماغ بواسطة الحواس وبوجود معلومات سابقة تفسر هذا الواقع
الفكرة هي الحكم على الواقع، مجرد حكم قد يشكل حقيقة وقد يشكل مغالطة، وهي ناتج لعملية التفكير
الحقيقة هي انطباق الفكرة على واقعها

أي أن الوصول للحقيقة يمر عبر المراحل السابقة، عملية تفكير ينتج عنها فكرة أو حكم على الواقع ومن ثم يتم البحث في مدى انطباق الفكرة على الواقع، فيكون مقياس اعتبار الحقائق عن الأشياء مضبوطا عن طريق البحث العقلي ذاته، في وجود الشيء أو ماهيته أو صفته، فإن كان الحكم العقلي يتعلق (بوجود الشيء) وعدمه فهو قطعي دائما لأن الحكم هنا جاء عن طريق الإحساس بالواقع والحس لا يخطئ بالوجود والعدم، فلو كنت تجلس وحيدا في المنزل وسمعت صوت باب المنزل يفتح ويغلق وسمعت وقع خطوات في الصالة ورأيت الصالة قد اضيئت فستعرف أن أحدهم قد دخل المنزل وإن لم تعرف من هو، أما إذا كان الحكم عن ماهية الشيء أو صفته فالحكم هنا ظني (حتى يصدقه البرهان أو يكذبه) وفيه قابلية للخطأ، لأن الحكم على ماهية الشيء وصفته جاء عن طريق معلوماتك عنه، أو ربط دماغك للواقع المحسوس بالمعلومات عنه، وهنا الحكم في الماهية والصفة متفاوت بين شخص وأخر ويختلف باختلاف القدرة على التحليل وكم المعلومات والمعطيات التي تعرفها وتجهلها عن الشيء، فقد يكون من دخل المنزل هو أمك أو أباك أو حتى لص قرر أن يسرق ما لم تسرقه الحكومة بعد من المنزل، والبرهان اللاحق يُصدق الحكم أو يكذبه، وقد يقول قائل أن الحكم في الماهية والصفة حقيقة نسبية، ولكن عدم المعرفة أو التأكد هنا من الماهية ليست حقيقة أصلا لتكون نسبية بل هي بحث ينقصه المعلومات عن الماهية، وبكل بساطة بدخولك إلى الصالة ستعرف من الذي دخل المنزل، وسينتهي ما تظنه حقيقة نسبية ويتحول إلى حقيقة مجردة، وحتى لو سلمنا بوجود النسبية (قطعا للجدال) في الأحكام والأفكار فهذا لاينفي وجود الحقائق القطعية، فشروق الشمس كل يوم حقيقة، موت نابليون حقيقة، غليان الماء عند مستوى سطح البحر بدرجة حرارة 100 مئوية حقيقة، الكل أكبر من الجزء حقيقة، الجاذبية الأرضية حقيقة، ولكن البعض مغرق في نسبيته لدرجة انكار حتى الحقائق الحسابية كالبروفسور لورانس كراوس (عالم من الراسخين في الفيزياء والفلك والتحرش الجنسي) الذي يمزج ما بين النسبية والإلحاد ليحاول تسويق معادلته الشهيرة القائلة بأن 2+2 = 5 !

خالد هناندة

مراجع:
قصة الفلسفة/ ويل ديورانت
الموسوعة الفلسفية: عبدالرحمن بدوي
العلمانية والحداثة والعولمة: د.عبدالوهاب المسيري
العقل والصدق والتاريخ: هيلاري بنتام
المختارات/ المجلد الرابع: فلاديمير لينين
ضد دوهرنغ: فردريك انجلز
علم النفس/ الجزء الثاني: سميح عاطف الزين
نقد الهرمينوطيقا: مرتضى الحسيني الشيرازي
الحقيقة: محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي

عن الأنسة كورونا والعالم الجديد السعيد:

عن الأنسة كورونا والعالم الجديد السعيد: في العام 2020 م جاء "الموت القادم من الشرق" المنقول على جناحي خفاش كما تزعم الحكاية...