Wednesday, March 11, 2020

مثقف السلطة






في زمن الدكتاتوريات الجميل كان غوبلز وزير دعاية الحزب النازي (لفاشية أكثر بياضاً) يقول: "عندما تقال كلمة مثقف، أتحسس مسدسي"، مقولة السيد غوبلز هذه يفترض أن تلخص العلاقة ما بين المثقف والسلطة، خاصة عندما تنتهج السلطة نهج قمع المعارضين لها واعتقالهم وتعذيبهم وقتلهم، ولكن "المثقفين هم أقدر الناس على ارتكاب الخيانة لأنهم أقدرهم على تبريرها" بحسب زميلي في الدراسة الرفيق لينين، والمثقف العربي هذه الأيام مثال عملي على ارتكاب وتبرير الخيانة كونه يعاني من متلازمة (أبو دلامة مهرج البلاط)!
لذلك لا تستغرب عزيزي عندما يطل أدونيس بعد عقود من المعارضة الشكلية ليقفز في فراش السلطة ويتلوى ويتأوه كأنه "أليسا" بين الشراشف البيضاء الملطخة بدم السوريين في سرير الأسد ليغني "بدي دوب" ويعترض على الثورة السورية لكونها خرجت من المسجد، رغم أنه لم يعترض قبلا على خروج الثورة الإسلامية الإيرانية من المساجد والحسينيات بل صفق وأيد ورضي وتابع وكتب فيها قصيدة عصماء، صماء!
مثال أخر على المثقف في خدمة وتزويق وتسويق السلطة، صالح علماني الذي استحق أن يوصف بحق بأديب المترجمين العرب، رجل أفنى زهرة شبابه في ترجمة الأدب الإنساني لكتاب وأدباء كانوا دائما وأبدا ضد سلطة القمع وقمع السلطة، ولكنه لم ينجح في ترجمة تلك الكتابات والنصوص إلى واقع حياته، فتحول إلى نسخة رديئة من ترجمة غوغل حين قال: "لم يعرف التاريخ منتصرا أرحم من الجيش العربي السوري" بغض النظر عن أن ذلك الانتصار كان ترجمة لقتل ربع مليون سوري وتهجير الملايين، وبغض النظر عن أن تلك الرحمة المهداة إلى السوريين كانت تقذف على رؤوسهم على شكل براميل متفجرة!
هذا عزيزي ما يسمونه القطيعة ما بين الفكر والسلوك، وهو الحبل الواصل ما بين ترجمة الأدب، وقلة الأدب.
لكن الواقع والتاريخ ليس بهذا السواد، وليس كل مثقف مغرما بالجلوس على مائدة قيصر وقضم خس صحن "سَلطة وسُلطة سيزر"، فالتاريخ مليء بنماذج مشرقة، سعيد بن جبير بوصفه مثقف عصره قضى على يد الحجاج "مبير ثقيف"، مرورا بابن حنبل وابن تيمية وعلي شريعتي وقطب وفرانز فانون وغيرهم كثير، وفي رسالة إلى الكاتبة "عبلة الرويني" زوجة الجنوبي دنقل الذي قال: "لا.. في وجه من قالوا نعم"، يقول الكاتب والناقد الراحل سعدالله ونوس: "إننا نحن المثقفين سلطة ظلّ شاغلها الأساسي أن تصبح سلطة فعلية، أو أن تنال فتاتاً في السلطة الفعلية. إننا قفا النظام، ولسنا نقيضه أو بديله، ولهذا ليست لدينا طروحات جذرية، ولا آفاق مختلفة، والمراوغة تطبع عملنا وتشكل جوهر سلوكنا، يا للخيبة، ويا للحزن"!
هذه العبارات المؤلمة هي حجر الزاوية في أبراج العاج التي يقطنها المثقفون العرب، إما أن تكون مثقفا يقود الجماهير الخارجة من دور البغاء الثقافية العربية على حد تعبير الجميل أحمد مطر في قصيدته "منافسة"، وإما أن تأكل على مائدة السلطة، وفي الحالتين أنت كمثقف مجرد قفا أو مؤخرة للنظام، وتستحق أن تصفع بمقدمة إبن خلدون على مؤخرتك الثقافية بحسب تعبير الكاتب السعودي الوغد والجميل "إبراهيم الزنيدي"، لذلك لم ينجح المثقفون العرب يوما في قيادة رجل الشارع البسيط، وعلاقتهم به لا تزيد عن التبسم لصبي قهوة يرتادها المثقف والمخبر في القاهرة وبغداد وجبل عمان!
علما بأن سلطة المثقف الحقيقية هي شكل من أشكال النبوة بحسب الشهيد علي شريعتي ملخصها أن ينقل التناقضات الموجودة في المجتمع إلى أحاسيس وأفكار أفراد هذا المجتمع، وأن يتبنى قضاياهم وأن يعالجها بحسب النمط الثقافي السائد في مجتمعه، أو الروح الغالبة على مجموعة معارف المجتمع وخصائصه واحساساته المنطلقة من وجهة نظره في الحياة وقاعدته الفكرية وهي هنا الإسلام بحسب شريعتي، لا أن ينعزل عنهم ويتحول إلى قفا!
يتبع...

No comments:

Post a Comment

عن الأنسة كورونا والعالم الجديد السعيد:

عن الأنسة كورونا والعالم الجديد السعيد: في العام 2020 م جاء "الموت القادم من الشرق" المنقول على جناحي خفاش كما تزعم الحكاية...